منتديات الكوثر
مرحبا بك عزيزي الزائر عرفنا بنفسك وأنهل معنا من نهر الكوثر, اذا لم يكن لديك حساب نتشرف بدعوتك لإنشائه


أكثر أسباب الجَلْطة وأمراض القَلب وضِيق النفس مِن تَعاطِي الرِّبا: تفسِير الحَجاري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أكثر أسباب الجَلْطة وأمراض القَلب وضِيق النفس مِن تَعاطِي الرِّبا: تفسِير الحَجاري

مُساهمة من طرف الشيخ الحجاري الرميثي في السبت أغسطس 06, 2011 1:24 pm





(سُورَة البَقرَة الجـزء الثانِي مِن القرآن تفسِير آيَــة الرّبـا 275)
(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ
الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالـُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثـْلُ الرِّبـا
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبـا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّـهِ
فَانْتَهَى فَلَـهُ مَا سَلَـفَ وَأَمْـرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَـنْ عَـادَ فَأُولَـئِكَ
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)


(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا) الأكْلُ مِنْ غَيْرِ سِياقِ هذِهِ الآيَة هُوَ ابْتِلاعُ الطَعامِ

ثُمَ أطْلِقَ على هَـدَفِ سِياقِها الانتِفاعُ بالشَيءِ وَأخْـذه بحِرامٍ,, وَالمُرادُ

بالأكْـلِ هُـوَ المالُ يَأكِلـُونَهُ اسْتِحلالاً فِي بِطُونِهِم,, فَنـَزَلَ حِكْمَهُ بالذِيـنَ

يَتَعامَلُونَ بِهِ أخذاً وَعَطاءً, وَالمَعرُوف مِن مَعنى جَوْهَر الآيَة أنَ الرِّبا

هُـوَ الزِيادَةُ وَفِيهِ تَحريمٌ إذا فُُضِّلَ مالٍ يُقابِلُهُ عِـوَضٌ فِي معاوَضَةِ مالٍ

بِمالٍ إنْ قلَّت الفائِدَة بِتَعاطِيه أوْ كَثرَت فَهُوَ بِعَينِهِ رِّبا إذا قالَ زِدنِي في

آجِلَةٍ أَزيدُكَ فِي مالِك, قالَ المَغلُوب هـذا رِّبـا قالَ لاّ فإنَهُ زيادَةٌ فِي أوَلِ

البَيعِ فَتركْتُ المَبْلَغ عِندَكَ لِسَبَبٍ عِندَ حِلُولِ أجَلِه وَفي بَيانِ تَحريم الرِّبا

لَقَد اسْتَثنى اللهُ تَعالى مِنْ عِقُوبَتِهِ وَقال (فَلَهُ مَا سَلَفَ) يَعنِي لَيْسَ على

الرابِي إثمٌ فِيما مَضى قبْـلَ النَهيِّ عَنهُ, لأنَ الحِجَة لـَمْ تَـقِم عليهِ، وَأمَّا

مَنْ عَمَلَ بِـهِ بَعدَ تَحريمِهِ ثـُمَ تابَ فلاّ بُـدَّ لهُ أنْ يَردَ الفَوارق مِنَ المالِ

إلى أهلِها لِيُغفِـرَ اللـَّهُ تَعالى ذنبَه (وَمَنْ عَـادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ

فِيهَا خَالِدُونَ) بِعَدمِ خرُوجِهِم مِنها,,

ولِهذا تَكاثَرَ تَعاطِي الرِّبا فِي الجاهِلِيَةِ وَلقّبَهُ النبِّيُ صَلى الله عَليهِ وَآلِهِ

وَقال: مِنْ تَعاطي الرِّبا: هُوَ أنْ يُعطِيَّ المُدِينُ مالاً لِدائِنِهِ زائِداً عَلى قدَرِ

الدَيْن لأجلِ الانتِظار) وَمِنْ مَعنى الحَدِيث: يَعنِي إذا حَلَّ الأجَل وَلَمْ يَدفَع

زَادَ في الدَينِ يَقولُونَ إمّا أن تَقضِيَ وَإمّا أنْ تُربِي, وَقد كانَ ذلِكَ شائِعاً

في الجاهِلِيَةِ, كَما إنَ الرِِّبا شائِعاً في يَومِنا بِبَيعِ البَضائِعِ آجِلاً وَاعتَبَرُهُ

بَيْعاً لاّمِثلُ الرِّبا بَلْ فِيهِ مُعاوضَة كَسْبٍ لِتَجارَةٍ تَآجَلَت أرباحها,,

ومِنْ عَلاماتِ الرِّبا لَمْ يَترُك الله تَعالى خَبَراً إلاّ وَأخبَرَ بـِهِ المُرابينَ عَنْ

خِرُوجِهِم مِـن قبُورِهِـم وَقيامِهِم مِنها إلى يَـوْمِ النِشُـور فَذكَرَهُم بِقَولِـهِ

(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ

الْمَـسِّ) لاّ يقومُونَ مِنْ قبُورِهِم إلى يَومِ الحِسابِ إلاَّ كَما يَقـُوم الخائِفُ

المَصْرُوع حال صَرعِهِ مَرعُوباً مِنَ القَتـْلِ كَالذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَان مِنَ

الجِنُونِ فيُعرَفُونَ بها عندَ أهْلِ المَوقِف بِعَلاماتِ جِنُونِهِم وَيُقال هـؤلاء

هُم المُرابين, وَلكِن مِنْ هُنا قَـَد اختَفَ المُفسِرُونَ فِي مَسِّ الشَيطان هَلْ

هُوَ مِن الجِنُونِ: قـُلنا المَسُّ هُنا لَيْسَ هُوَ مِن فِعلِ الشَيطان يَوْم القِيامَة

بَلْ هُوَ مِنْ فِعـْلِ اللـَّه بمّا يُحدِثـهُ بأهْـلِ الرِّبا فيُصْرعَهُم صَرع المَجانِين

فيُنْسَب المَـسُّ إلى الشَيطانِ مَـجازاً وَتَشْبيهاً بـِمّا يَصرَعُ الإنـْسانَ عِـندَ

إغواءِهِ فِي الدُنيا فَيَحدِث لَهُ الجِنُون فِي الآخِرَةِ كَما يَحدِث لَهُ فِي الدُنيا

وَلِبَيان مَعنى الآيَة: بَـلْ يَتَخَيَلهُ الشَيطانُ حِينَ الوَسْوَسَة فِي الدُنيا وَمِنْ

ثـُمَ يَتوَطَّؤهُ فيصْرَعَهُ بِسَبَبِ مَسَّهُ إياه: ومَعنى الخَّبَطُ فِي الدَّوابِِّ وَهُـوَ

الضَرْبُ بالأَيْـدِي دُونَ الأَرْجُلِِ ثـُم اسْتعِـيرَ الخَبْطُ بِخَبْطَةِ الشَيطان عَلى

الذِي يَتَخَبَّطُهُ فِي عَمْياءٍ إِذا رَكِبَ ما رَكبَ بجَهالةٍ وَهُوَ الخَّبْطُ كُلُّ سْـيرٍ

على غيْرِ هُـدى فأمّا الخَبْطُ الذِي كانَ حاصِلاً في المُرابينَ بِسَبَبِ حُـبِّ

المالِ فإذا ماتَ على ذلِك صارَ حُـبُ المال حِـجاباً بَـينَهُ وَبَـينَ اللـَّهِ فـي

الدُنيا وَالآخِرَةِ,,

فَتَبَنَ لَنا مِن هَـدَفِ هـذهِ الآيَـة إنَها تُكَمِلُ هَدَف الآياتِ السابِقَة على أنَّ

الرَّبا يَقفُ في الجِهَةِ المضادَّةِ للإنفاقِ الطاهِرِ المَسْنُون مِنَ الصَّدقاتِ,,

فَثبَّتَ لنا القرآنُ أنَ تَعاطيَّ الـرِّبا يَزيدُ مِن العَوامِلِ الطبقيَةِ ويُركِزُ المالَ

بِنمُوِّهِ في أيْدِي المُرابينَ فَيُسَّببُ فِقـْر المَدِّينِينَ المُرْتابينَ, كَمّا إنَ هَدَفَ

هـذهِ الآيَـة وَسائِرُ الآياتِ المَذكُورَةِ في القـُرآنِ التِي تَخِصُّ الرِّبا نَـزَّلت

فِي وَقـتٍ كانَ فِيهِ تَعاطِي الرِّبا قـدْ أباحَ بشدَّةٍ في مَكَّـةََ وَالمَدِينة وَلكِنَنا

لا نَتناسى يَومِنا هـذا لِكُثرَةٍ فِيهِ المُرابين, والاسْمُ الرِّبـا مَقْصُورٌ وَهُـوَ

في الشَّـرعِ الزّيادةُ على أصْـلِ المالِ مِـن غَـيرِ عَقـدٍ تَبايُعٍ, وَلـهُ أحكامٌ

كَثِيرةٌ في الفِقـْهِ, يُقال أربَى الرَجُل فهُوَ مُرْبٍ, وَقَـَد حَرَّمَ اللـَّهُ الرِّبا في

مَوضِّعٍ آخَر مِن سُورَةِ آلِ عمرانَ وَقالَ (لا تَأْكُلُوا الرِّبا) أي: نَهى اللـَّهُ

تَعاطيَّ الرِّبـا بَـينَ صِفوفِ المُسْلمِينَ مَـعَ تَقرِيعِهِم لَّما كانـُوا يَتَعاطـُونَهُ

بَينَهُـم مِـن تَضْعيـفِ الفائِـدَةِ الرِّبَوِّيَـة (أَضْـعَافاً مُضَاعَفَةً) فِـي التَعامِـلِ

الفاسِد المُؤدِي إلى اسْتِئصالِ المالِ, فأصبَحَ القَوْم المُسلِمينَ يَتَعاطُونَهُ

عَلى قِسْـمٍ مِـن أضْعافِهِ على الغِنـى الفاحِـش, وَعلى أثـَرِهِ تَجـدُ أبـْوابَ

التَعاوُن الإنسانِي قـَد أُغلقَّت أبْوابَها في اضْمِحلالِ الصَّّدقاتِ وَالقـَرْض

الإنسانِي الـذِي يَنسَجِـمُ بِمَعايِيرِ الدِيـنَ,, وَفُتِحَت بمَكانِها أبْـوابَ الرِّبـا

الفاحِش الذِي يَعتَبرُوهُ سَـبباً لِسَعادَتِهِم وَهُـم لا يَشعِرُونَ بأنـَهُ الفـُحشُ

الأعظَّمُ على الفقرِ المُدقِعِ وَالجَّوعِ القاتِل مِما يُسَببُ الهَلَع وَالاضْطِراب

وَالقلَّق وَالخَوف وَسُوء الظـَن, وَمِن ثمَّ العَداء وَالصِراع, وَبالتالي قـَد

سَعى الفَسادُ والفُحشُ فِي المُؤسَساتِ الحِكُوميَةِ والمَذاهِبِ الاقتصادِيَةِ

يَظنُونَ إنَهُم عالَجُوا بَرنامَج الرِّبا مِنْ أيْدِي الطَبَقةِ الفَردِيَة وَعلى سَبيلِ

الحَقائِـقِ المُضادَةِ لِلدِيـنِ, فاخـْتارَت الشِيُوعِـيَة طريـقاً لإلـغاءِ المُلْكِيَـة

الفردِيَة,, وكَذلِكَ الرَأسْمالِيَة اختارَت طَريِـق اسْتِيفاء الضَرائِب الثقِيلةُ

وإنشاء المُؤسَّسات آللا خَيريَة فَيَعتَبرونَها شَكْلِيَةٌ أكـْثرُ مِن كَوْنِها حَلاًّ

لِمُشكِلةِ الطبقيَةِ الرِّبَويَـة ضانِـين بـِذلكَ إنَهُـم قَـَد يُكافِحُونَ الرِّبـا وَهُـم

يَتَخَبطونَهُ ويَتَعاطونَهُ أكـْثرُ مِمّا يَتَعاطُونَهُ الطَبَقـَةُ الفَرديَـة عامِلِينَ بـهِ

بأنَهُم حائِزينَ على اسْتفتاءاتٍ شَرعيَةٍ مِن يَدِ الفُقهاءِ والعُلماءِ تَجْوِّزاً

لَهُم في قِلَّـةِ أرباحِ المالِ المَصرُوف فَسَّمُـوهُ بِألسِنَتِهِم الباغيَـة لَيْـسَتُ

بِرِّباً, فَصَرَفوهُ بأسْماءٍ ما أنزَّلَ اللـَّهُ بِها مِن سُلطانِ, وعَلى هذا الدَّعم

ألرِّبَوي تَعاطـُوهُ هـؤلاء المُرابـينَ بحِيلَـةٍ شَرعِيةٍ عَلى إنـَهُ قـُرْضاً, أو

مِنْحَةً, أوْ رِهانـاً مُقابـِلُ مادَةً لِلعامِلِينَ الضُعفاء, وَتارَةً يُسَِّمُونَهُ سِـلفَةً

وَأخْـرى تَسْهِيلاتٍ مَصرفِيَةٍ لَطَبَقـَةِ الناشِطَةِ, ذلِكَ لِتَحسِـين اقتِصادِهِم

الوَطنِي بِبَيْعِهِم السَيارات آجِـلاً, وَإنـْشاء الدُور السَكَنيَة بسِـلْفةِ عِـقارِ

وَبِفَوائِدٍ ضَئِيلَةٍ: أيْ قَلِيلَة نِسبَةُ أرباحُها ثَمانَيَة بالمائَةِ مِنْ رَأس المالِ

فاْتضَحَ لَّنا في مَوارِدِ القرآنِ: أنَّ واحِداً مِـن هـذِهِ الأهْـدافِ الشَيطانِيَةِ

التِي يَسْعى لها الإسلامُ هُـوَ إزالَة هـذِهِ الفَوارق الغـَيرُ العادِلَةِ الناشِئَةِ

مِنَ الظُلمِ الاجْتِماعِي بَينَ الطبقتَينِ الغنيَةِ والفقيرَة إذا فُضِّلَ مالٍ يُقابِلُهُ

عِوَضٌ في معاوَضَةِ مالٍ بِمالٍ إنْ قلَّت الفائِدَة أو كَثـُُرَت فَهُوَ بِعَينِه رِّبـاً

كَمّا لوْ اتبَعَهُم الحَقُّ على بَغيِهِم لأخْتلََ النِظام الكَوْني وَهَوى وَلكِن يَأبى

اللهُ تَعالى أنْ تُفسِدَ الأرضُ وَتََتَبِع أهوائََهُم, أَوَلَيْسَ على رَأسِِ الصِّراطِ

واعِـظُ اللَّهِ في قَلْـبِ كُـلِّ مُسلمٍ وَمُؤمِـنٍ,, يَعنِي حُجَجَهُ التي تَنْهاهُ عََـن

الدُخول فِيما مَنَعهُ اللَّه مِنهُ وحَرَّمهُ عَليهِ مِـن تِلكَ البَصائِر التِي جَعلَها

فِيهِ مِنْ حَـيثُ أنْ لا يََـأتِي على الناسِ زَمـانٌ يُسْتَحَلُّ فِـيهِ الرِّبـا بالبَيْـعِ

وَالقتلُ بالمَوْعِظةِ, أن يُقتَلَ البَريءُ لِيَتَّعِظَ بِهِ المُريب,,

والاسْتِفادَةُ مِن مَعنى الآية وتََأوِّلُها أقولُ: لَعَلى أنْ يَتركُوا عَلماء الفِقِه

وَخُطباء المَنابِر كُلُّ وََعـظٍ ما شَرعَ اللـَّهُ بِـهِ مِن حَلالِ وَحَـرامٍ وَيَهتَمُوا

أكثرُ حُرْصاً فِي سَّـدِ ضَوارعِ الرِّبا لأنَهُ هُوَ الفُحشُ الناشِئ الخَطِير فِي

اضْمِحلالِ الخَيِّراتِ وَبِعدَّمِ تَعاطِي الزَكَواتِ والصَّدَقاتِ المَسْنونَةِ شَرْعاً

الذِي يُؤدِي إلى زُلْزلَت الأرض فِي المُجْتَمعاتِ الرابيَة وَهِيَّ كِنايَةٌ عَـن

التَخويفِ والتَحذِير مِمّا يَجْعَل اللـَّه أَمْرَهُم مُضْطرباً مُقلِْقاً غيْرُ ثابٍ, أوْ

يُنـْزلَ عَليهِم كَرِيحٍ فِيها صََرْصَرٌ قَـَد أَصابَت مِـنْ قَبلِهِم قـَوْم, آو تَمْطـرُ

السَماءَ عَليهم تـُراباً فَيَمُوت الكَثِير مِنهُم بِسَببِ أمْراض القلب وَالرِّئَـة

أوَ نَغـْزٌ فِي المَعِيشَةِ مِمّا تَنزِلُ عَليهِم المَهالِك, وَالتَّهْلُكَة هِيَّ مِن نَوادرِ

المَصـادِرِ الإلهيَـةِ ليْـسَتُ مِمّا يَـجْري عَلـى القِـياسِ بالمَـوْتِ المُفاجـِئ

بِمَرضِ الدَماغ, وَالشَلل, وَالحَرث, والنَسْل فَقـَط, وإنَما يَـجري الهَلاكُ

عََليهِم بأنواعِ العَذابِ,,

وَفِي الحَدِيثِ ما خالَطَـت الصَدقـَةُ مالاً إِلاَّ أَهْلَكَتهُ,, بَـلْ هُـوَ حَـضٌّ عَلى

تَعجيلِ الزَكاةِ مِن قبْلُ أَنْ تَختلِطَ بالمالِ ألرَبوي بعدَ وجُوبِها فِيهِ فتذهبُ

بهِ كَمّا وَردَ بِهلاكِهِم قرآناً وَقالَ (وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً)(الكهف59)

أي لِوقتِ هِلاكِهم أجَلاً (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثلُ الرِّبا) الآيَةُ هُنا

نَزَلـَت بإنـْذار اليَهُود وَزَجْرِهِم الذِينَ زَعَمُوا إنـَهُ حَيْثُ أُحِـلَّ بَينَهُم بَـيعُ

ما قِيمَتَـهُ دُرهَـمٍ بـِدُرهَمَينِ, أو دِينارٍ ما قِيمَتَـهُ بِدِينارينِ حَـلالاً مُؤجَـلاً

فَجَعلُوا الرِّبا أصْلاً حَلالاً وتَشِبيه البَيع بِهِ مُبالغةً مِنهُم في التَماثِلِ عَلى

ما حَرمَ اللهُ تَعالى عَلى الرابِي وَالمُرتَبي,,

فِاستُأنِفَ قَولِهِم على الذِيـنَ يَتخَبَطـُونَ الرِّبا فِي مَذاهِـبِ المُسْلِِمِينَ كَما

تَخَبطَ الشيطانُ بِمَسِ اليَهُود,, وعَـن رَسولِ الله صَلى اللـَّهُ عليهِ وآلِـهِ

بشأنِ ذِكْــرِ حـال المُرابـينَ الذِيـن لا يَهمَّهُـم غـَيرُ مَصالِحِهِـم الخاصَّـة

وَنشُوء رَفاهَتِهِم: وَقالَ (لمَّا أُسريَّ بـِيَ إلى السماءِ رأيتُ قـوماً يُـريـدُ

أحدَهُم أن يَقـومَ فلا يَـقدَر أنْ يَقومَ مِن عُظْـمِ بَطنـِهِ، فقلـْتُ مَـن هَـؤلاء

يا جبرائِيل, قالَ قوله تَعالى هـؤلاء الذِينَ يأكِلُونَ الرِّبـا (لا يَقُومُونَ إِلَّا

كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) أيْ مِن المُحتَمل أنَ تَكُونَ

الآيةُ إشارَةٌ إلى المَعنِيينَ بالرِِّبـا على اعتبار أنَّهُم أشـبَهُ بالمَجانِين في

أعمالِهِم الرِّبَوبيَة فَيُحشَرُونَ يَـوم القِيامَةِ كالمَجانِينَ دَلِيلاً لِمَعنى الآيَـة

لأنَ مَسَّ الشيطانُ كِنايَةٌ عَن الأمْراضِ النفسِيَةِ وَالجِنُون,,

أليْسَ المُرابينَ هُـمْ على وَهْـمٍ وَكَأنَهُم يَفتَقِـرُونَ بأموالِهِم إلـى التَفكِـيرِ

وبِرَجاحَةِ عَقلٍ سَلِيمٍ، بَلْ إنْهُم كَالأنعامِ لا يُشخِّصُونَ ما يَفعلُونَ والآيَـة

دَلِيلٌ على إنَ مَشاعِـرَ المَواساة والعَواطِفَ الإنسانِيَة وَأمثالُها لامَفهومَ

لَها فِي عقولِهِم الطائِشَةِ الزائِفةِ,, فَهُم لا يُطيعُونَ إلا عِبادَة المال الذِي

سَيْطـَرَ عَلى عُقولِهِـم المَريـضَة إلـى دَرجَـةٍ أنَّها تـُعمِيَّهُـم عَـن الإدراكِ

الحِسِّي ما سَتؤدِّي إليهِ أعمالَهُم أللاّ عَدلِيَـة الجَشعَـة فِـي غـرْسِ رُوحِ

الحِقدِ المُتَغلغِل فِي قلوبِ الطبقاتِ الفَقِيرَةِ الكادِحَةِ وَما سَيَعقِبُ ذلكَ مِن

فِتَنٍ اجتماعِيَةٍ تعَرض أساس المُلْكِيَة الحَياتِيَة لِلخَطـَرِ وَالفَساد,, فَنزَلَ

قولِهِ تَعالى بِإنذارِهِم (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبـا) أي: إبْطالٌ مِن اللهِ

تَعالى لِقولِ اليَهُودِ وَالمُشْركِينَ قُرَِيش حِينَ قالوا (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثلُ الرِّبا)

لأنَ اللهَ يَمحِقُ الرَّبا الفاحِش, والمَحقُ هُوَ النقصانُ الذِي يُذهِب البرَكَة

بالمالِ وإنْ كانَ زيادَةً فِيهِ فَهُوَ نِقصانٌ في الحَقِيقةِ,,

يَعني لَما كانَ الرابي يَزعَمُ عَلى تَحصِيلَهِ على المَزيدِ مِن المالِ الوافِـر

وَالصارفُ عَـنِ الصَدقاتِ والاحـتِرازِ عَـن نِقصانِها, فـَبَيَّنَ اللـَّهُ بِمَحـْقِ

الرِِّبـا وَجَعَلَ البَيعُ حَلالاً, وحَلال الابْتِياعُ هُـوَ الاشْتِراءُ, وَمِـنَ المَفهُومِ

الشَرعِي (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) (البقرة:276) بَلْ: يُنْمى

المالُ الذِي أُخْرِجَت مِنهُ الصَدقاتِ فَيُزَكِه اللـَّه وَيَجْعلَهُ أكـْثرُ مِمّا يَـزدادُ

بِمالِ المُرابي, لآنَ الرَبوَةَ النَفخُ وَالزيادَة,,

فَلَّمّا حَرمَ اللـَّهُ تَعالى الرِّبـا بَينَ صِفوفِ المُسْلِمِين جَعلَ مَكانَهُ القـَرضُ

الحَسنُ: وَقال (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ) يَعنِي: إذا كانَ المُسْلم الفقِـير بَـينَ

صِفُوفِكُم فِي ضِـقِّ حـالِ مِـنَ عَـدمِ المال فَيُعطى لَـهُ مِـنَ المالِ المُيَـسَرِ

عِندَكُم (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) (البقرة:280) فَعَليْكُم تَأخِيرَهُ دُونَ تَضْيِقهِ

وَالنَظرَةُ اسْمٌ مِن الانتظارِ وَهُـوَ الإمْهالُ لِحينِ تَيَسُرُه, لأنَ العُسْرَ بَـينَ

يُسْرينِ إمّا فرَجٌ عاجلٌ في الدُّنيا, وإمّا فِي الآخِرَةِ، فأرادَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ

بالعُسْرِ فِي الدُنيا عَلى المُؤمِنِ أَنـهُ يُبْدِلـَهُ يُـسْراً في الدُنيا, ويُـسْراً في

الآخرةِ, فَيَكونُ إمَّا ثوابٌ عاجِلٌ في الدُنيا بزيادَةِ المال وإمَّا ثوابٌ آجِلٌ

في الآخرةِ لَهُ نَصيبُ الجَنةَ, وَهذا الحِكْم عامٌُ في كُلِ عُرفٍ وَدينٍ, وَفي

القوْلِ لوْ دَخلَ العُسْرُ جُحْراً ضَيِّقاً لَدَخَلَ اليُسْرُ عَليه,,

وَفي الحَديثِ الشَريف (مَن أنظَّـرَ مُعـْسِراً أو وَضعَ عَـنهُ أظَلَهُ اللـَّه في

ظُلِهِ يَومَ لا ظلَّ إلا ظلَّه)

(فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ) الوَعْظ والعِظَّةُ والمَوْعِظَةُ هُوَ النُّصْحُ أو

التَذكِيرُ بالعَواقِبِ, أي تَذكِـيرٌ بِما يُلَيِّن قلـْب الإنسان مِـن ثـَوابٍ وَعِقابٍ

في شَأنِ الرِّبا وَغيرَهُ مِن المُحَرماتِ والآيَة دَلِيلٌ وَهِيَّ حُكْمٌ كُليِّ تَشْمِلُ

جَميع المُوبِقاتِ بالمَغفرَةِ أو بشِدَةِ العِقوبَةِ التي لَـمْ يَنتَهي عَنها الرابي

كَما وَردَ عَنهُ قرآناً (فَانْتَهَى) بالتَوبَـةِ (فَلَهُ مَا سَلَفَ) بالانتفاعِ مامَضى

مِـنَ المُوبِقاتِ (وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ) بالمَغفرةِ فَيَتـُوب اللـَّهُ عليهِ عَمّا سَلفَ

وَاللهُ هُوَ الغَفُورُ الغَفّارُ جَلَّ ثناؤُهُ وَهُما أسْمان ومَعناهُما الساتِرُ لِذنوبِ

عِبادِهِ المُتجاوِّز عَـنِ خَطاياهِم,, وَالمَغفِرَة هِيَّ التَوبَةُ مِنْ تَقصِيرِ العَبدِ

في شِكْرِ النِعَمِ وَالعبُودِيةِ,,

(وَمَنْ عَادَ) يَعنِي: إذا لَـمْ يَنتَهيَّ عَـن المُحَرَماتِ وَأصَّـرَ على ذَنبِهِ وَلَـمْ

يَقبْل الحُكْم بالعَذابِ, فَيَشِيرُ عَنهُ اللـَّه إنـَهُ الكُفـْر بِعَينـِهِ بِقولِـهِ (فَأُولَئِكَ

أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أي: عِندَئِذٍ يُطَبَق حكْمُ الرِّبا وَهُوَ جازمٌ

عَليهم فَسَوفَ يَسْعُونَ إلى جَهنَمَ وَيَوْقَـِدُوها بِكُفرِهِم وَهُـم دائِمُونَ فِيها

مِن الخُلودِ بِمّا رَكنُوا إلَيها وَألْزَمُوها,, وَلكِنَنا نَسألُ اللـَّهَ فِيهُم الهِدايَـة

لَعَلى أنْ يَكُونَ التَسلِيمُ لِلَّهِ بِعَدمِ خلُودِهِم فِي النار,, تفسِيرُ ألحَجاري


وَكانَ رأيُ آيَـة الله السَيد مَحمد حِسين الطَباطبائي فـي تَفسِيرهِ المُيَسَر

(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ
الْمَسِّ) الخبطُ هُوَ المَشي على غَيرِ اسْتواءٍ, والإنسانُ المَمسُوس
المُرابي قد اختَلفت قوة تَميزَهُ فَهوَ لا يُفرق بينَ الحَسَنِ والقَبيحِ
والنافعِ والضارِ والخَيرِ والشَرِ, وهذا حال المُرابي لأنَهُ يَنجَرُ إلى
اختلاسِ المال مِن يَدِ المُدنينَ فيَنمُو مالَهُ مِن مالِ المُدنينَ وفي ذلكَ
انهدام المُدنينَ فالرِّبا يُضاد التَوازن والتَعـادل الاجتماعي ويُفسـد
صِراط الفِطرة (ذَلِـكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا) فقد اختَلَ عندهُم
أصْل المُعامَلة والمعاوَضة فقالوا إنما البيعُ مِثلُ الرِّبا لا يَزيدُ عليهِ
بِمَزيهِ فلا مُوجب لِتَركِهِ (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) وهِيَّ إخبارٌ في
حُكمٍ سابقٍ وتوطئَةً لِما بَعدهُ (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ) في شَأنِ
الرِّبا وغيره فَهوَ حِكْمٌ كُلي يَشملُ جَميع الكَبائر المُوبِقَة (فَانْتَهَى)
بالتَوبةِ وترك الفِعل المُنهيَّ عَنه (فَلَهُ مَا سَلَفَ) فَهوَ مُنتَفعٌ بِما سَلف
(وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ) فربما أطلقهُم في بَعضِ الأحكام, وربما وَضعَ عَليهُم
ما يَتدارَك بِهِ ما فَوتوه (وَمَنْ عَادَ) ولَم يَنته وأصَرَ على ذنبهِ ولمْ يَقبَل
الحُكم وهذا هُوَ الكُفر والرِّدَة باطِناً ولَوْ لَمْ يَتلفظ بِلسانهِ بِما يَدلُ على
ذلكَ فَلن يَكونَ مِنَ المُفلحينَ (فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
(البقرة:275) فعَدم التَسلِيم لِلحُكمِ يَستوجب الخِلود في النار,,
(انتهى تفسِير الطَباطبائي)

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى