[b]حُكْمِي صَوابٌ يُحتَمَلُ عِندَكُمُ الخَـطَأُ

وَرَأيُ غَـيْري خَطَأٌ يَحتَمِلَ الصَوابُ



[size=29](سُورَة البَقرَة الجـزء الأوَل مِن القرآن تفسِير آيَـــة 30)

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
قَالُـوا أَتَـجْعَلُ فِيهَا مَـنْ يُـفْسِدُ فِيهَا وَيَـسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْـنُ
نـُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُـقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ)


(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ) وَهُم الجِنُودُ المُقَرَبينَ الذِينَ رَكَـزَ اللهُ فِيهُم العَقلَ بَلا

شَهْوةٍ وَفَطرَهُم عَلى الطاعَةِ وَمَكنَ لَهُم مِنَ القُوَةِ وَبإشكالِها المُختَلِفَةِ وَإنَهُم

لا يَعصُونَ رَبَهُم ما أمَرَهُم حَتى قالَ لَهُم اللـَّهُ (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)

يَعني المَضْمُون مِنْ قَوْلِهَِ عَـزَ وَجَّلَّ: بَعدُ أنْ شاءَت إرادَتِي وَاقتَضَت حِكْمَتِي

أنْ أخلُقَ أدمُ وَذريتَهُ لِيُسْكِنُوا الأرضَ وَيُعمرُوها,, وَالمَقصُودُ بالخَلِيفَةِ خَلْقُ

آدَم أنْ يَكُونَ خَلِيقَةُ الأرضِ كَما تَقدَمَهُ الجَان بأعمارِِها, وَكَما يَدلُ هُوَ لَيْسَ

المَقصُود بِخَلْقِهِ أن يَكُونَ خَلِيقةُ الجَنةِ وَأعمارِِها,, بَـلْ جَعَلَ اللـَّهُ دخُولَ آدَم

الجَنَةَ لِغرَضٍِ أوْلى أنْ يُزفوهُ المَلائِكَةُ بزَواجِهِ مِنْ حَواءٍ,, وَهـذهِ هيَ ليْسَتُ

قِصَة آدَم بتَفصيلِها كامِلَةً,,

فَخِطابُ الله لِلمَلائِكَةِ مِنْ بابِ أوْلَى خِطاباً لَـنا لِيُعَرِفَنا بالمَلائِكَةِ وَاصْطفاءِهِم

لِعبادَتِـهِ, وإسْباغِ نعمَتِـهِ عَليهِم, فَحَياهُم بفضْلِهِ, وَكـرَمَهُم بِرضاه, وَوَفقهُم

بإحسانِهِ وَهَداهُم إلى طاعَتهِ, ثمَ ناداهُم الله مِنْ وَراءِ الحُجبِ أن يَخلُقَ خَلقاً

غيْرَهُـم (وَإِذْ قَالَ رَبُّـكَ لِلْمَلائِكَةِ) الـرَبُّ يُطْلـقُ عَلى المالِكِ وَالسَـيدِ وَالمُدَبّـِرِ

وَالمُرَبِّي وَالقَيِّم وَالمُنْعِم وَلاّ يُطلَقُ غيرَ مُضافٍ إلاَّ عَلَى اللهِ تَعالى وَإذا أُُطلِقََ

عَلى غَيرِ اللهِ أُضِيفَ فيُقال فُلانٌ رَبُّ البَيت,,

وَالمَلائِكَةُ جَمْعُ مَلأَك, ثـُمَ حُذفَتْ هَمزَتهُ لِكُـثرَةِ الاسِتْعمَالِ، فيُقال مَلَكٌ, وَقـد

تُحذَفُ الهاءُ فيُقال مَلائِكٌ مِنْ أصْلِ كَلِمَةِ مَألَكٌ بتَقدِيمِ الهَمزَةِ مِنَ الألْوكِ, ثمَ

قُدِّمَت الهَمْزةُ وَجُمِعَ فَيُقال مَلائِكَةٌ لأنَهُم وَسائِطٌ بَينَ اللهِ وَبَينَ الناسِ,,

فشَأنَهُم هُوَ مَعرفَةُ الحَق جَلَّ جَلالَه,والتَنزَهُ عَنْ الاشْتِغالِ بغيْرهِ كَما وَصَفَهُم

الله فِي مُحكَمِ كِتابِهِ: وَقال (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ)(الانبياء20)

فَهُم المَلائِكَة العِليُونَ المُقرَبُونَ فِي أحـْكامِ اللـَّهِ: وَمِنهُم مَـنْ يُدَبرُ الأمْرَ مِنَ

السَماءِ إلى الأرضِ عَلى ما سَبقَ بـهِ القضاءُ عَلى البَشَـرِ: أوْ مّا جَـرى بـهِ

القلَم: وَمنهُم سَماوِّيٌ كَالمُدَبراتِ أمْـراً (لا يَعْصُونَ اللـَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلـُونَ

مَا يُؤْمَرُونَ) حَتى قالَ لَهُم اللـَّه (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)

أيْ: إنِي خالِقُ آدَم مِنْ طِينِ العِزَةِ التِي اسْتَخرَجتُها مِنْ نُورِ مُحَمَدٍ صَلى اللهُ

عَليهِ وَآلِهِ الذِي يَخْلُف غيرَهُ فَجَعَلَتَهُ تِعدادٌ لِنعمَةٍ كَي تَعُمُ الناسَ كُلَهُم بأبيهِم

يَعنِي: فإنَ خَلْـقَ أبـِينا آدَمُ وَإكْـرامَهُ وَتَفضِيلَهُ عَلى المَلائكَةِ ما أمَـرَهُم اللـَّه

بالسِجُودِ لهُ هُوَ إنعامٌ يَعُمُ ذُريَتِهِ المُخْلِصِينَ لَـهُ الدِين, وَأصْلُ كَلِمَةُ (خَلِيفَةً)

خَلَّف: وَالخَلَفُ بالتَحريكِ وَالسُكُونِ كُـلَّ مَـنْ يَجيءَ بَعـدُ مَـنْ مَضى: إلاّ أنـهُ

بالتَحريكِ فِي الخَـيرِ وَبالتَسْكِينِ فِي الشَّـرِّ: يُقال خَلـَفُ صِدْقٍ، وَخَلْفُ سُوءٍ

ومَعناهُما جَمِيعاً مِنَ الناسِِ خَلائِفٌ بَعضَهُم مِنْ بَعضٍ قرْناً بَعـدَ قـرنٍ وَجِيلاً

بعـدَ جِـيلٍ: كَما وَردَ ذلِكَ فِي قوْلِهِ تَعالى (وَهُـوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ

وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ)(الأنعام:165)

وَالمُرادُ مِـنْ مَعنى هـذا الحدِيث اللُغوِّي فِي تَفسِـيرِ المُفردَة: كَما فِي القـَوْلِ

الدُعاءِ اللَّهُمَ أعْطِ كُلََّ مُنْفقٍ خَلَفاًً: أيْ عِـوَضاً: يُقال خَلَفَ اللهُ لكَ خَلّفاً بخيْرٍ

وَأخْلَفَ عَليكَ خَـيراً: أيْ أبْدَلكَ بما ذَهَـبَ مِنكَ وعَوَّضَكَ عنهُ, أوْ كَما ذَهـَبَ

لِلرَّجُلِ ما يَخْلُفهُ مِثلُ المالِ وَالوَلدِ أخْلفَ اللـَّهُ لَهُ وَعَلَيْهِ، وإذا ذَهَبَ لَـهُ مالا

يَخْلِفهُ غالِباً كَالأبِ وَالأمِّ خَلفَ اللهُ عَليهُما وقدْ يُقال خَلَفَ اللهُ عَليكَ إذا ماتَ

لكَ مَيِّت فَكانَ اللهُ خَلِيفَةٌ عَليكَ وَالمَعنى فِيهِ: أيْ أبْدَلكَ بإياهُ, أوْ بأحسَنِ مِنهُ

وَفِيهِ حدِيثٌ سَوُّوا صُفُوفكُم وَلاّ تَخْتلِفُوا فَتَخْتلِفَ قُلُوبَكُم أي إذا تَقَدَّمَ بعضُكُم

عَلى بَعضٍ في الصِفوفِ تأَثـَرَت قلـُوبكَُُم وَنـَشأََ بينكُم الخُلْفُ,, وَالخَلِيفةُ مَنْ

يَقُوم مَقام الذاهِب ويَسُدَّ مَسَدَّهُ والهاءُ فِيهِ لِلمُبالَغةِ جََمْعَهُ خُلفاءُ عَلى مَعنى

التَّذكِير لاّ عَلى اللَّفظِ,,

فأَمّا الخِلْفَة فهُوَ الذِي لا غـنَاءٌ عِـندهُ, وَلا خَيرَ فِيهِ إلاّ خَلِيفةُ الدِيـن, وَكَذلِكَ

الخالِفُ وَهُوَ الكَثِيرُ الْخِلاف وَهُوَ بَيِّنَ الخَلافةِ بالفتحِ: فَعندَئِذٍ خافت المَلائِكَةُ

حِينَ سَمَعُوا النِداءَ مِنْ رَبهِم الأعلى (إِنِّي جَاعِـلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فظَنَت

المَلائِكَةُ أنْ يَكُونَ ذلِكَ لِتَقصِيرٍ قد وَقعَ بِهِم: أوْ لِمُخالفَةٍ كانَت قـدْ َوَقعَت مِنْ

أحَدٍ مِنهُم,, فبادَرُوا وَأَسْرعُوا إلى تَـبْرئَةِ أنفُسِِهم وَقالـُوا ربَّـنا كَـيْفَ تَخلـُقَ

غَيرَِنا, أليْـسَ نَحنُ الدائِبينَ عَلى التَسْبيحِ بِحمَْدِكَ, وَتقدِيسِ أسْمِكَ, وَتَجَعلَ

عَلَيْنا خَلْقاً وَتَسْتخلِفَهُ فِي الأرضِ رَبَّنا أنَ الذِي تَخلِقَهُ وَمِن ذريتهٍِ قَد يَختَلِفُوا

عَلى مافِي الأرضِِ مِنْ مَنافعٍ وَثمَ يَتَجاذبُوا مابِِها مِنَ خَيراتٍ حَسَداً فَيُفسِدُوا

فِيها وَيُسفِكُ الدِماءَ, وَيُـزهِقُ الأرْواحَ كَأنَهُم بِقولِهِم يَتَحادَثونَ بَينَهُم وَقالُوا

لَنْ يَخلُقَ اللـَّهُ رَبَّنا خَلْقاً هُـوَ أعلَمُ مِنَّا عِبادَةً وَمنزِلَةً: كَما وَردَ قَوْلِهِم قـُرآناً

(قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) وَالظاهِرُ فِي قَوْلِ المَلائِكَةِ

لَمْ يُرَد آدَم عينًا بحُسْنِ قوْلِهِم هذا بلْ عَلِِمُوا أنَ فِي ذريَةِ آدَم إنَهُم قَد يُفسِدُوا

فِي الأرضِِ وَيُسْفِكُ الدِماءَ كَما ظهَرَ مِنَ الجِنِ الفَسادِ وَسَفكِ الدِماءِ,, فظَنَت

المَلائِكَةُ بذلِكََ إلى دَوْرَةِِ الأرضِ فَهِيَّ سابقةًٌ بالفسادِِ وَسَفكِِ الدِماءِ مِِنَ الجِنِ

عَلى دَوْرَةِ بَنِي آدمٍ لِيُسْفِكُوا دِماءِهِم لِمَعنى الآيَة,,

وَالسَفْكُ الإراقُة والإجْراءُ لِكُلِّ مائِعٍ: يُقال سَـفَكُ الدَّمَ والدَّمعَ وَالماءَ يَسفِكُهُ

سَفْكاً وَكأنَّهُ بالدَّمِ أخَصُّ مِنَ الماءِ,,

إذن لمََْْ يَكُن سُؤال المَلائِكَةُ عَلى وَجِهِ الاعتِراضِ عَلى اللـَّهِ، وَلاّ عَلى وَجْـهِ

الحَسَدِ لأدَمٍ وَبَنِيه, وَلاّ شَـكاً فِي حِكْمَةِ اللـَّهِ, وَلاّ تََنقِيصاً لِخََلِيِقتِهِِِِ كَما تَـوَهَمَ

المُفسِرُونَ وَالخُطَباءُ بأنَ المَلائِكَةَ قَـد اعتَرضُوا عَلى خَلْقِ آدَم: وَدَلِلُنا هُـوَ

كَما وَصَفَهُم الله تَعالى بأنَهُم لا يَسْبِقونَهُ بالقَوْل وَلاّ يَسْألُونَ عَنْ شَيءٍ عَمّا

يُأذنَ لَهُم فِـيه: وَلَّما عََلِمُوا بأنَ اللهَ سَيَخلُقَ فِي الأرضِ خَلْقاً غَيرَهُم (قَالـُوا

أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) بَلْ كانَ سُؤالَهُم عَلى الأرْجَحِ هُوَ

سُؤالُ اسْتِعلامٍ وَاسْتِكْشافٍ عَنْ حِكْمَتِهِ تَعالى كَأنَهُم يَقولُونَ يارَبَّنا مّا الحِكْمَةَ

فِي خَلْقِ آدَم وَذريَـتِهِ مَعَ إنَهُم مَـنْ يُفـسِدَ مِنهُم فِي الأرض, وَيُسْـفِكَ الدِماء

فإنْ كانَ المُرادُ بِخَلقِهِم عِبادَتِكَ فَها نَحْنُ (نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) سُبْحانَ

اللهِ تَنْزيهُ اللهِ: وَهُوَ نََصْبٌ عَلى المَصْدرِ بفِعْلٍ مُضْمِرٍ: وَالتَسْبيحُ هُوَ الإبْراءُ

بِقوْلِهِم رَبَّنا نُبْرِّئُكَ مِِنَ كُلِّ سُّوءٍ وَإفراطٍ ونُنَزُهُكَ عَمّا لا يُلِيق بِكَ, وَمَعناهُما

التَّسَرُّعُ إلـَيْكَ وَالخِفـَّةُ فِي طاعَتِكَ, وَأنـْتَ المَحمُودُ عَلى كُـلِّ حـالٍ,, وَالحَمْدُ

وَالشِكْرُ مُتَقاربان وَلكِن الحَمْدُ أعَمُّها لأنَّكَ تَحمدَ الإنسانُ عَلى صِفاتهِ الذَّاتيَّة

وَعَلى عَطائِهِ وَلا تَشْكرُهُ عَلى صِفاتهِ لأنَ الصِفاتَ وَالكَمالُ للهِ عَزَّ وَجَّل,,

وَمِنهُ الحَمْدُ رَأس الشُّكْر وَمّا شَكَرَ اللّهَ عَبْدٌ إلاّ يَحْمَدَهُ كَما أنَّ كَلِمَةََََ الإخْلاصُ

رَأسُ الإيمان وَهُـوَ رَأسَ الشُّكْر, لأنَّ فِيهِ إظهارُ النّعْمَة وَالإشادَة بِها، وَلأنَ

الشْكرَ أعَمُ مِنَ النِعمةِ فهُوَ شُكْرٌ وَزيادَة,,

وَفِي الدُعاءِ قـُلْتَ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَبحَمْدِكَ أبْـتدِئ: وَقـد تُحذف الواو وَتكُون

الباء لِلتَّسْبِيب أوْ لِلمُلاَبسَةِ: والتَّسْبيحُ مُسبَّبٌ بالحَمْدِ أوْ مُلابِسٌ لهُ: فأجابَ

اللهُ المَلائِكَةَ بِِما ظنًَت قلوبَهُم, وَتَجَلَّـت بهِِِِ صدُورَهُم, وتَغلغَلَت نفـُوسَهُم أنْ

يُبيِّنَ عَجْزَهُم عَنْ عِلْمٍ وَمّا يُعايِّنونَ بِهِ (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) أيْ عَلِمَ

اللهُ تَعالى قَبْلَ أنْ يَظْهَرَ مِنْ إبلِيس المَعصِيَة, وَعَلِمَ مِنْ آدَم الطاعَةَ وَلَمْ تَعلَم

المَلائِكَة بذلِك, وَلاّ باسْتِخلافِ آدَم مَنْ فِـيهُم المُطِيع وَالعاصِي, أوْ مّا يَظْهَرُ

العَـدلَ بَيْنهُم مِنْ رُسُلِهِ وَأنبيائِهِ,, فََخَفِيَّ عَلَيهِم مّا خَفِيَّ عَمّا فضَّلَ اللهُ تَعالى

عَليْهمِ آدَمَ بالعِلْمِ حَتى علَّمَهُ الأسْماءَ ثـُمَ أنبَأهُم بِها مِنْ كُلِّ شَيءٍ, فاعتَرَفَت

المَلائِكَة إقراراً بالعَجْز وَاعتِذاراً لِحكْمَةِ اللهِ تَعالى عَنْ عِلْمٍ ما لَمْ يُعلَّمُوه مِنْ

اسْتِخلافِهِ لآدَمٍ ما لَمْ يُدرِكُونَ الله العَزيزُ الحَكِيمُ يَسْتَخلِفُ مايَشاءُ ويَسْتَخلِفُ

مَنْ يُريد مِنْ عِبادِهِ (قَالُوا سُبْحَانَكَ) يَقصِدُونَ بِقولِهِم تَنزيهاً لَكَ يا رََبَّنا عَـنْ

الاعتِراضِ عَليْكَ بِمّا (لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)

ثمَ قالَ اللهُ (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)الحجر29)

أيْ نفخََ اللهُ فِي أدَمٍ مِنْ رُوحِهِ: أيْ ألْطَفَهُ برَحمَتِه: لأنَ الرَحمَةَ سَّماها اللـَّهُ

رُّوحاً كَما هُوَ فِي قَوْلِهِ (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ)(المُجادَلة:22) أيْ: برَحمَةٍ مِنهُ

وَذُكِرَت الرُوح فِي القُرآنِ بِمَنازِلٍ عِدَة فَمِنها الرُّوح عِيسى بنُ مَريَم المُؤيَد

بجبرائِيل كَقوْلِهِ (وَأَيَّـدْنَاهُ بِرُوحِ الْقدُسِ)(البقرة:87) وَالرُّوحُ الفَرَج سُمُيَت

رَوْح كَقولِهِ (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ)(يوسف:87) وَالرُّوح النَّفْسُ كَقوْلِهِ

(وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)(الاسراء:85) فَلَمْ يَخْبرَ اللهُ

تَعالى عَنْ الرُّوحِ أَحَداً مِنْ خَلقِهِ: وَلَمْ يُعْطِ عِلْمَهُ بِها لِلأنبياءِ وَالمُرسَلين,,

وَيُسَمَّى القـُرآن رُّوحاً كَـقوْلِهِ تَعالى (وَكَـذَلِكَ أَوْحَـيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِـنْ أَمْـرِنَا)

(الشورى:52) وَالرُّوح الأَمْـرُ كَقَوْلِـهِ تَـعالى (يَـوْمَ يَقـُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِـكَةُ

صَفّاً)(النبأ38) وَالرُّوح جُبرائِيِلُ هُوَ رُّوحُ الله الأمِين كَقَوْلِهِ (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا

رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَـراً سَـوِيّاً)(مريم:17) وَالرَّوْحُ أَيْضاً: السِرُورُ وَالفَرَحُ

وَاسْتعارَ مِنها عَليٌّ عَليهِ السَلام لِليَقِين: فقالَ فباشِرُوا رَوْحَ اليَقِين,,

فَاندَرَجَت تـِِلْكَ الرُوحِ الإلهـِيَةِ بآدَمٍ وَبَـنت فِـيهِ لَحماً وَدَماً وَعَـصَباً وَعِـظاماً

وَشْريانَاً فسَرَتْ فِيهِ نَسْمَة الحَياة فصارَ إنساناً حَساساً بَعدَ أنْ كانَ جمَاداً,,

فعِندَئِذٍ أمَرَ اللهُ المَلائِكَةَ أنْ يَسْجِدُوا لآدَمٍ فاسْتَجابُوا لِرَبهِم خاضِعِينَ مُطِيعِينَ

وَعَفرُوا جِباهَهُم للهِ ساجدِينَ لِّما خَلقَهُ بيَدِهِ,,

وَلاَ شَكَ مّا قدَمَ اللهُ تَعالى ذُكْـرِ الإيمان بالمَلائِكَةِ عَلى ذِكْـر الإيمانِ بالأنبياءِ

وَالمُرسَلِين وَالناسِ أجْمَعِين: ذلِكَ فِي قوْلِهِ (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ

رَبِّـهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَـنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ)(البقرة:285) لأنَ

المَلَك هُوَ الوَحِيُ الأوْسَط بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ الرَسُول فِي تَبْلِيغِ الرِسالَةِ وَالشَريعَةِ

فكانَ المَلَكُ مُقـَدَماً بِإيمانِهِ عَلى الرَسُولِ لاّ بالشَرَفِ وَالعِـلِيَةِ فكِلاهُما سَـواءٌ

بالتَبلِيغ, فَجَعَلَ اللهُ تَعالى فِي شَرَفِ الرِتبَةِ الإيمانِيَةِ لِلعالَمِ العِلْوي هُوَ وجُود

المَلائِكَة فِيه كَما أنَ شَرَفَ الرَتبَةُ الإيمانِيَة لِلعالَمِ السُفلِى هُوَ وجُودُ الأنبياءِ

وَالمُرسَلِينَ فِيه, إلاّ أنَ الناسَ قََد اختَلفُوا فِي ماهِيَةِ إيمانِ المَلائِكَةِ وَالأنبياءِ

وَالمُرسَلِين, فَمَنْ لَمْ يَتَحَقق إيمانَهُ بِهؤلاءِ الثَلاثَةِ فَلاّ إيمانَ لَـهُ وَهُوَ كَصِفَةِ

إبلِيس الذِي خالَفَ رَبـَّهُ الأعلى وَتَجاوَزَ إلى المَعصِيَةِ وَآبـى وَاسْتَكْبرَ وَكانَ

مِنَ الكافِرينَ المُبْعَدِين,,

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا) السجُودُ هُوَ لُغةُ التَذلِيل وَالخضُوع

وَفِي مَعنى ثانٍ هُوَ التَواضِعُ وَالخِضُوعُ لآدَم تَحِيَةً وَتعْظِيماً دُونَ تَعَفُرِ الجِباهِ

عَلى الأرضِ: بَلْ لِلإنحِناءِ كَما وَردَ بِمثلِهِ قرآناً كَسِجُودِ أخوَةِ يُوسُفَ (وَرَفَعَ

أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً)(يوسف100) أي لَبُوا شاكِرينَ للهِ بِما

أفضَّت نَعَّمَهُ عَلى يُوسُفَ وَتُسَمى صَلاةُ الشاكِرينَ,,

(إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) أيْ: امتَنَعَ عَنْ السِجُودِ, وَهُوَ

مِنَ الجِنِ وَأبُوهُ جان فَسُمِيَّ إبلِيسُ مُشتَقٌ مِنَ الإبْلاسِ وَهُوَ الحُزْنُ الناشِئ

عَنْ شِـدَّةِ اليَأسِ, فأبْلَسَ مِنْ رَحمَةِ اللـَّهِ: أي يَئِسَ مِنها, وَكانَ اسْمُهُ الأوَل

عزازيلُ,, وَالإبْلاسُ هُوَ الانكِسارُ: يُقال أبْلَسَ فلانٌ إذا سَكَتَ غَمّاً, وَمِنْ ثـُمَ

لـُقِبَ بالشَيْطانِ جاءَ مِنْ أصْلِ كَلِمَةِ شَطَّن, وَالشَّطَنُ هُـوَ الحَـبْلُ الطَّويلُ مِنهُ

وَإنَما شّدَّهُ إبلِيسُ بشَطَنَينِ لِقـُوَّتِهِ وَشدَّتِهِ, وفِي حَدِيث ذِكْـرُ الحَياةَ الدُنيا إنَ

اللّّهَ جَعَلَ المَوْتَ خَالِجاً لأشْطاَنِها يَعنِي إنَما الحَياةُ الدُنيا جَمْعُ شَطَن الخالِجُ

المُسْرِعُ في الأخْذِ فاسْتعارَ الإشْطانُ لِلحَياةِ لامْتِدَادِها وَطُولِها بِشَّطنَةِ إبلِيس

الذِي آبى وَاسْتَكبَرَ, وَكُـلُ شاطِنٍ مَعَهُ فِي النارِ, وَالشاطِنُ البَعيدُ عَـن الحَّـقِّ

وَفِي الكلامِ مُضافٌ مَحذوفٌ تَقدِيرَهُ كُلُّ ذِي هَوىً شاطِنٌ فِي النارِ,,

ووَصْفُ الإشْطان أوْالشَيْطانُ فِيهِ النُونُ زَائِدَة كانَ مَنْ شاَطَ يَشِيطُ إذا هلَكَ

أو مَنْ اسْتَشَاط غَضَباً إذا احْتَدَّ فِي غَضَبِهِ وَالْتَهَب وَالشَّيْطانُ مَعرُوفٌ وَهُوَ

كُلَّ عاتٍ مُتَمَردٍ مِنَ الإنسِ وَالجِنِ شَيطانٌ, والعَربُ تُسَّمي الحَّيَةَ شَيْطاناً,,

وَالدَلِيلُ هُوَ كَقوْلِهِ تَعالى (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ)(الصافات:65)

وَالإباءُ مَنْ أبى وَشَرَدَ أيْ مَنْ تَرَكَ طَاعَةَ اللَّه التِي يَسْتَوجِبُ بِها الجَّنةَ لأنَّ

مَنْ تَرّكَ التَسَبب إلى شَيءٍ لا يُجَدُ بغيرهِ فقدْ أباهُ, وَالإباءُ هُوَ أشَـدُّ الامْتِناع

وَمِنْ ثـُمَ (وَاسْتَكْبَرَ) إبلِـيسُ (وَكَانَ مِـنَ الْكَافِـرِينَ) الكِـبْرياءُ العَظَمَة وَالمُلْك

وَهُما عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ الذاتِ, وَكَمالِ الوجُودِ, وَلاّ يُوصَف بِهُما إلاّ اللّهَ جَّـلَ

وَعَلا, فَذَمَ اللهُ تَعالى الكِـبَرَ فِي العِبادِ فَوَصَّفَهُم: وَقالَ (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ

خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)

ثُمَ خاطَبَ اللهُ تَعالى إبلِيسُ (قَالَ مَامَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ

خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)(الأعراف: 12)

قالَ رَبِّي ألَيْسَ إننِي خَيرٌ مِنْ آدَم عُنصِراً, وَأزْكى مِنهُ جَوْهَراً, أنا خَـيْرٌ مِنهُ

خَلقتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلقتَهُ مِنْ طِينٍ, هذا هُـوَ إبلِيسُ الذِي يُوسْوَسُ فِي صُدورِ

الناسِِ قـد جَهَرَ بالعِصيانِ, وَصَرحَ بالمُخالَفةِ وَالبُهْتانِ, واسْتَكبَرَ عَـنْ أمْـرِِِ

رَبـهِ أنْ لا يَسْجُدَ لِمَنْ خَلقـهُ بـيَدِهِ, فـَجَزاهُ اللـَّهُ عَلى عِصيانهِ, وَعاقَبَهُ عَلى

مُخالفَتِهِ: وَقالَ (فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيم)(الحجر34) أي: بعِيدٌ عَنْ رَحمَتِي

وَعَلَيكَ اللَّعنَةُ إلى يَومِ الدِينِ,,

وَاللَّعنُ هُوَ كَلاماً سَيِّئاً قَِبيحاً مِنَ الرَّجْم وَهُوَ السَّبُ وَالشَّتمُ,, قالَ رَبِي وَأنتَ

الَعَدلُ الذِي لا يَعتَريكََ الباطِلُ فثوابُ عَمَلِي الذِي عَمَلتَهُ مِنْ قبْل آلافِ السِنين

فَهَلْ بَطُلَ عَلى الإطلاقِ: قالَ لاّ يا إبلِيسُ سَلْنِي مِنْ أمْرِِ الدُنيا ما شِئتَ أجْـراً

لعَمَلِكَ السابِق أعطِكَ وَمّا لكَ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصيبٍ: قالَ كَذلِكَ سَلطْنِي عَلى

وَلدِي آدَم فأجابَ اللهُ سُؤْلَهُ وَقالَ أعطَيْتُكَ يا إبْلِيس (إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) قالَ

رَبِّي (أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أي إجْعَلَنِي مِنَ المَترُوكِينَ إلى يَـوْمِ النِشُور

فَرَفَضَ إبلِيسُ النَّظَر بِاخْتِيارِ الرَحمَةِ وَالعَطْفِ مِنْ رَبهِ لأنَّ النَّظرَ فِي الشاهِدِ

دَلِيلُ المَحبَّة, فأرادَ النَّظر دَلِيل البُغْض وَالكَراهَةِ لِسُلْطانِهِ فِي إغـْواءِ الناسِ

إلى الصُورِ المُعْجِبَةِ وَالأمْوالِ الفائِقَة,,

الباعِثُ اسْمٌ مِنْ أسْمائِهِ تَعالى فَهُوَ الذِي يَبعَثُ الخَلْقَ أي يُحْيِِّيهُم بَعدَ المَوْتِ

يَوْمِ القِيامَةِ: فَأرادَ إبلِيسُ مِنْ رَّبهِ إنهُ مِنَ المُنْظَرينَ يَعنِي عِندَ خِرُوجِ الناسِ

مِنْ قبُورِهِم وَيُجْزي عليهُمُ الحِساب قالَ اللهُ تَعالى (إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ)

(الحجر:38) أي: قـبْلَ الصَيحَةِ الثانِيَةِ فِي نِـشُورِِ الأمْواتِ: فتحَققَت رَغـْبَةُ

إبلِيس فَلَمْ يَشْكُـر للـَّهِ فضْلَهُ, بـَلْ قابَـلَ نعمَتَـهُ بكُفـْرهِِ, وَفضَلَ اللـَّه بالجِحُودِ

وَالنكْرانِ وَقالَ (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ)(الأعراف16)

بَلْ: إنَنِي مُترَصِداً لِغوايَتِي خَلقِكَ جاهِداً فِي إضْلالِهِم (لَأَقْعُدَنَّ) عَلى مَواضِعِ

القعُودِ لأوْلادِ آدَم (ثمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ

شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)

فلَّعَنَهُ اللـَّه: أيْ أبعَدَهُ مِنْ رَحمَتِهِ إلى يَـوْمِ الوَقتِ المَعلُومِ, وَمَـدَّ لـهُ فِي أمَلِهِ

الحَياةَ الدُنيا:فمَضى إبلِيسُ وَسَرَّ فِي طريقِِ الشَرِ الذِي أرادَهُ وَتَمناهُ فَشارَكَ

أوْلادُ آدَم فِي أمْوالِهِم وَأوْعَّدَ لهُمُ المَواعِيد الكاذِبَة وَأُمَنَ لهُم الأمانِي البَعيدَةُ

حَتى قالَ اللـَّهُ: يا إبليسُ إننِي لاّ أخْلِيَّ بَينَكَ وَبَيْنَ مَنْ صَحَتْ عَقيدَتهُ وَقَوِّيَت

عَزيمَةُ إيمانَهُ مِنْ عِبادِي المُخْلَّصِينَ:فلَّنْ أجْعَلُ لكَ عَلَيهُم سُلْطاناً إنهُم عِبادٌ

بقلُوبهِم عَنكَ مُنصَرفةٌ, وَآذانَهُم لِقولِكَ غـَيرُ صاغِيَةٍ, وَلكِنْ أنظـُر يا إبْلِـيس

(لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِـنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) إذا مَـشُوا خَلْـفَكَ النـاسُ, أوْ

مَرُّوا بِكَ فَإنَهُم قَـد مَّضُوا مَعَكَ إلى جَهَنمَ وَلَبِئْسَ المَصِير,,

((انتهى تَفسير الشيخُ الحَجاري الرُميثي مِن العِراق))



في تفسِير التِبيان لإمامِ الشِيعَة الشَيخ الطُوسِي أبي جَعفر محمد بن الحَسن
المُتوفى 385 -- 460 هـ,, تًحقِـيق وَتصحِيح أحمَد حـبيب قصَـير العامِلي

(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) أي فاعل وخالق وهما يتقاربان. قال الرماني
حقيقة الجعل: تصيير الشيء على صفة والأحداث حقيقة إيجاد الشيء بعـد
أن لم يكن موجوداً والخليقة الفعيلة من قولهم خلف فلان فلاناً في هذا الأمر
إذا قام مقامه فيه بعـده.. لقولـه تعالى ( ثـم جعلناكم خلائف في الأرض مـن
بعدهم لننظر كيف تعلمون)(3) يعني بذلك أبدلكم في الأرض منهم، فجعلكم
خـلفاً في الأرض من بعدهم وسمي الخليفة خليفة من ذلك، لأنـه خلف مـن
كان قبله فقام مقامه الخلف بتحريك اللام يقال فيمن كان صالحاً- وبتسكين
اللام إذا كان طالحاً قال الله تعالى (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة)
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله. أنه قال ينقل هـذا العلم من كـل خلف
عدو له. وقال قـوم سَمى الله تعالى آدم خليفة لأنـه جـعل آدم وذريته خلفاء
الملائكة لأن الملائكة كانوا سكان الأرض..
وقال: ابن عباس انـه كان في الأرض الجـِن فافسدوا فيها، وسفكوا الدماء
فاهلكوا، فجعل الله آدم وذريته بدلهم..
(أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) وروي: أن خلقاً يقال لهم الجان
كانوا في الأرض فافسدوا وسفكوا الدماء فبعث الله تعالى ملائكة أجلتهم من
الأرض: وقيل أن هؤلاء الملائكة كانـوا سكان الأرض بعـد الجان فقالـوا يا
ربنا أتجعل في الأرض يفسد فيها ويسفك الدماء على وجه الاستخبار منهم
والاستعلام عن وجه المصلحة والحكمة لا على وجه الإنكار كأنهم قالوا إن
كان هذا كما ظننا فعرفنا وجه الحكمة فيه.وقال قوم المعنى فيه إن الله أعلمَ
الملائكة انـه جاعل في الأرض خليفة وأن الخليفة فرقة تسفك الدماء وهي
فرقة من بني آدم. فأذن الله للملائكة أن يسألوه عن ذلك وكان إعلامه إياهم
هذا زيادة على التثبيت في نفوسهم انه يعلم الغيب فكأنهم قالوا: أتخلق فيها [/